محمد سعيد رمضان البوطي

79

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ألم . أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [ العنكبوت 29 / 1 ، 3 ] والقائل : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ آل عمران 3 / 142 ] . وإذا كانت هذه هي سنة اللّه في عباده ، فلن تجد لسنة اللّه تبديلا حتى مع أنبيائه وأصفيائه . من أجل ذلك أوذي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأوذي من قبله جميع الأنبياء والرسل ، ومن أجل ذلك أوذي أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى مات منهم من مات تحت العذاب ، وعمي من عمي ، رغم عظيم فضلهم وجليل قدرهم عند اللّه عز وجل . فإذا أدركت طبيعة العذاب الذي يلقاه المسلم في طريقه إلى إقامة المجتمع الإسلامي ، علمت أنه ليس في حقيقته عقبات أو سدودا تصد السالك أو المجاهد عن بلوغ الغاية ، كما قد يتوهم بعض الناس . بل هو سلوك في الطريق الطبيعي الذي خطه اللّه تعالى بين المسلم والغاية التي أمره بالسير إليها . أي أن المسلمين يقربون من الغاية التي كلفهم اللّه بالوصول إليها ، بمقدار ما يجدونه في طريقهم إلى ذلك من العذاب ، وبمقدار ما يتساقط منهم من الشهداء . ولذا ، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يتوهم اليأس ، إذا ما عانى شيئا من المشقة أو المحنة . بل العكس هو الأمر المنسجم مع طبيعة هذا الدين . أي إن على المسلمين أن يستبشروا بالنصر كلما رأوا أنهم يتحملون مزيدا من الضر والنكبات سعيا إلى تحقيق أمر ربهم عز وجل . وتأمل فإنك ستجد برهان هذا جليا في قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ ، وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة 2 / 214 ] . فقد كان جواب أولئك الذين لم يفهموا طبيعة العمل الإسلامي ، وتوهموا أن هذا الذي يرونه من الأذى والعذاب إنما هو عنوان ودليل على ابتعادهم عن النصر ، كان جواب هؤلاء من اللّه تعالى : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ . وتجد برهان هذا جليا فيما رويناه من قصة خباب بن الأرتّ رضي اللّه عنه ، حينما جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد غالبه العذاب الذي اكتوى به معظم جسده ، يشكو إليه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك ويسأله الدعاء للمسلمين بالنصر . فقد كان جواب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم له بهذا المعنى : « إن كنت تتعجب من العذاب والأذى وتستغرب أن ترى ذلك في سبيل اللّه عز وجل ، فاعلم أن هذا هو السبيل . . وتلك هي سنة اللّه في جميع عباده الذين آمنوا به : مشّط الكثير منهم في سبيل دينه بأمشاط الحديد ما بين المفرق والقدم فما صدهم ذلك عن شيء من دين اللّه ، وإن كنت ترى في العذاب دلائل اليأس والقنوط من النصر ، فأنت متوهم . بل الحق هو أن تجد في